الشنقيطي
171
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقد كان صلى اللّه عليه وسلم رحيما شفيقا على الجاهل حتى يتعلم ، كما في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد حين صاح به الصحابة فقال لهم « لا تزرموه ، إلى أن قال الأعرابي : اللهم ارحمني وارحم محمدا ولا ترحم معنا أحدا أبدا » « 1 » وكالآخر الذي جاء يضرب صدره وينتف شعره ويقول : « هلكت وأهلكت ، واقعت أهلي في رمضان ، حتى كان من أمره أن أعطاه فرقا من طعامه يكفّر به عن ذنبه ، فقال : أعلى أفقر منا يا رسول اللّه ؟ فقال : قم فأطعمه أهلك » « 2 » . وقد كان صلى اللّه عليه وسلم يقف للمرأة في الطريق يصغي إليها حتى يضيق من معه وهو يصبر لها ولم ينهرها ، بل يجيبها على أسئلتها . وقد حث صلى اللّه عليه وسلم على إكرام طالب العلم ، وبين أن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم ، وأن الحيتان في البحر لتستغفر له رضي بما يصنع . وقوله : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [ 11 ] : النعمة كل ما أنعم اللّه به على العبد ، وهي كل ما ينعم به العبد من مال وعافية وهداية ونصرة من النعومة اللين ، فقيل : المراد بها المذكورات والتحدث بها شكرها عمليا من إيواء اليتيم كما آواه اللّه ، وإعطاء السائل كما أغناه اللّه ، وتعليم المسترشد كما علمه اللّه ، وهذا من شكر النعمة ، أي كما أنعم اللّه عليك ، فتنعّم أنت على غيرك تأسيا بفعل اللّه معك : وقيل : التحدث بنعمة اللّه هو التبليغ عن اللّه من آية وحديث ، والنعمة هنا عامة لتنكيرها وإضافتها ، كما في قوله تعالى : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [ النحل : 53 ] ، أي كل نعمة ، ولكن الذي يظهر أنها في الوحي أظهر أو هو أولى بها ، أو هو أعظمها ، لقوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [ المائدة : 3 ] ، فقال : نعمتي ، وهنا نعمة ربك . ولا يبعد عندي أن يكون صلى اللّه عليه وسلم إنما نحر مائة ناقة في حجة الوداع ، لما أنزل اللّه عليه هذه الآية ، ففعل شكرا للّه على إتمام النعمة بإكمال الدين . وقد قالوا في مناسبة هذه السورة بما قبلها : إن التي قبلها في الصديق وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ( 17 ) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ( 18 ) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ( 19 ) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : أبو داود في الطهارة حديث 380 ، وابن ماجة في الطهارة وسننها حديث 529 . ( 2 ) سبق تخريجه في الجزء السادس .